جرثومة العنف: الحرب الأهلية في صميم كلّ منا
في كتاب «جرثومة العنف: الحرب الأهلية
في صميم كلّ منا» يقدم دكتورعدنان حب الله شهادة عيادية وفكرية، انطلاقًا من سؤال: « يحصى الأموات بعشرات أو مئات الألوف خلال الحرب،
ولكن هل فكّرنا مرّةً بالمأساة القائمة وراء كل وفاة من هذه الوفيّات، بالشخص،
بكيانه الإنساني وبواقع حياته؟»، ليغدو كطبيب ومحلل نفسي يعيش في بيروت «مؤتمنًا
على هذا الألم الخفي وغير القابل للاختزال إلى أرقام».
يركّز الكتاب على كشف هشاشة النظام
الرمزي، وتفكيك السؤال حول كيفيّة تحوّل أناس عاديّين كانوا يتقاسمون الحياة
اليومية إلى ارتكاب أبشع الجرائم بحق بعضهم في حرب أقل ما يقال عنها أنّها «لا أهليّة». ويؤكد أن السياسة وحدها لا تقدم تفسيرًا كافيًا لهذا التحوّل، لأنّ
العنف يكشف عن أزمة أعمق تمسّ البنية النفسيّة للإنسان. فعندما ينهار النظام
الرمزي الذي ينظم علاقة الفرد بالآخر، يعود الإنسان إلى علاقة بدائيّة تقوم على
الصراع والإلغاء. عندها يفقد الآخر مكانته كذات مختلفة، ويتحول إلى تهديد يجب
التخلص منه، ويحرّضه على ذلك هوامٌ بدائي يتغذّى على تجاوز القانون وانتهاك الحدود.
يفسر الدكتور حب الله أن الإنسان لا
يواجه الآخر بوصفه شخصًا منفصلًا عنه، بل ما يثيره هذا الآخر من قلق ورغبة وعدوان
داخلي. فالأنا لا تنقسم ببساطة بين الحب والحقد، إذ إن «الحب والحقد كما أظهرهما
فرويد وفسرهما لاكان في كلمة واحدة (حبحقد) يولدان تمزقًا أساسيًا وأصليًّا، خاصة
عندما يدرك الإنسان أن هذا الشعور المزدوج والمتنافر يمسّ الموضوع نفسه». وفي
الحرب، يجد هذا الصراع منفذًا عبر آليّة الإسقاط، فيُلقى كل ما ترفضه الذات على
العدو، بحيث «الجزء السيّئ يجري إسقاطه على الآخر، أي على العدو، الذي يتجمّع فيه
كل ما جرى استبعاده من الذات». وفي الوقت نفسه، يخرج السلاح عن كونه أداة عسكرية
ليغدو علامة على القوة والامتلاك، فتتحول صورة المقاتل الذي «يركب سيارة جيب،
ويمسك برشاش دوشكا» إلى امتداد لصورة الجسد، ومحاولة لتعويض النقص والانتصار على
قلق الخصاء الرمزي. وهكذا يمسي قتل الآخر دفاعًا متوهمًا عن الذات، بينما هو في
العمق محاولة للتخلص من جزء مكبوت فيها.
وتنعكس آثار الحرب على أطياف المجتمع كافّة. فالطفل يفقد «صورة الأب الحامي والممثل للقانون» حين يراه عاجزًا خائفًا في الملاجئ، فيتجه للتماهي مع المقاتل المسلح لتعويض العجز. وهو يعيش الحرب من خلال خطاب الكبار عنها بقدر ما يعيشها من خلال أحداثها. لهذا فإن الطفل في مهبّ الحرب هو طفل مُمزّق بين واقع عنيف يفوق قدرته على الاستيعاب، وحاجة عميقة إلى الحفاظ على صورة الآخر الكبير. ويورد حب الله حالة الطفلة «ليلى» التي كانت في الرابعة من عمرها، ونجت من كمين مسلح وهم في طريقهم ليأكلوا السمك، بعدما حماها والدها بجسده وقضى هو. إلا أن أفراد عائلتها أخفوا عنها حقيقة موته بدافع حمايتها، رغم أنها شهدت الحدث. توقفت تجربتها النفسية عند كلمة «سمك»، التي راحت تكرّرها بلا انقطاع، لأنها كانت آخر دالّ ارتبط باللحظة السابقة للصدمة، بعدما عجزت عن ترميز ما جرى وإدخاله في شبكة المعنى واللغة. لم تبدأ الصدمة بالتحول إلى حزن قابل للاحتواء إلا عندما واجهها المحلل بحقيقة وفاة والدها، فبكت للمرة الأولى ونامت وهي تحتضن صورته.
أما المراهق، فيجد في الميليشيا
والأحزاب بديلًا عن المؤسسات التعليمية المنهارة، إذ توفر له الجماعة المسلحة
اعترافًا بالرجولة وإطارًا لشرعنة عدوانيته. لهذا فإن المراهق يُعدّ الفئة الأكثر
قابلية للتجنيد في زمن الحرب، لأنه يعيش مرحلة البحث عن الهوية والمثال الأعلى.
ومع تراجع سلطة الأب ورمزيته، يغدو الموت في مخيال بعضهم طريقًا إلى البطولة
والخلود. ويستشهد حب الله بما جرى خلال الحرب العراقية–الإيرانية، حيث اندفع آلاف
المراهقين إلى إزالة حقول الألغام بعدما صُوِّرت التضحية بالنفس على أنها استشهاد
في سبيل قضية مقدسة، فكانوا يسيرون نحو الموت بإيمانٍ بأنهم سيخلّدون في الذاكرة
الجماعية بوصفهم شهداء.
وفي المقابل، تتحمل المرأة العبء
الأكبر في الحفاظ على تماسك الأسرة، فتتحول خسارة المنزل والخصوصية إلى اعتداء
مباشر على حرمة جسدها، ينعكس في كثير من الأحيان في اضطرابات نفسجسدية يصبح فيها
الجسد لغةً للذعر والحداد المكتوم. وتُبرز الحرب هشاشة موقع المرأة، إذ تتحمل
مسؤولية حماية الأطفال ورعاية الأسرة وإعادة بناء الحياة بعد الدمار، فيما تُقصى
عن صناعة القرار ويُفرض عليها الصمت تجاه حرب يقررها الرجال. ومع اشتداد النزاعات،
تتراجع مكاسبها الاجتماعية، ويغدو جسدها ولباسها وسلوكها موضع رقابة جماعية،
وكأنها الحاملة لهوية الجماعة وقيمها. ومع ذلك، يؤكد حب الله أن المرأة تمثل مبدأ
الاستمرارية والحياة في مواجهة منطق العنف، فهي التي تحفظ النسيج الاجتماعي وتعيد
ترميم ما تهدمه الحرب، لتغدو في آنٍ واحد الضحية الأولى للصراع والركيزة الأساسية
لاستمرار المجتمع بعده.
ويتناول الكتاب حالة «رينا» التي جاءت
إلى التحليل النفسي وهي تختبئ خلف صورة المرأة المقاتلة، مرتدية الزي العسكري
ومتمسكة بهوية القوة، بينما كانت تعاني في العمق من اضطراب علاقتها بجسدها وذاتها.
خلال الجلسات، اكتشف المحلل أن هذا السلوك يخفي صدمة قديمة، وبعد مواجهته لها بأن
علاقتها بالجسد لا تعكس حبًا بل دفاعًا ضد ألم عميق، بدأت تظهر الكوابيس والذكريات
المكبوتة، واستعادت تدريجيًا تفاصيل الصدمة التي عاشتها. فقد تعرضت أثناء الحرب
للاغتصاب الجماعي، مما أدى إلى انفصالها عن جسدها وشعورها بأنه لم يعد ملكًا لها، وإنما
أصبح جسدًا منفصلًا يمكن للآخرين انتهاكه.
إضافة إلى ذلك، لا يمكن التغاضي عن
أولئك الذين عاشوا تجربة الفقد والاختفاء القسري لأحبائهم. فالخطف يخلق حدادًا
مستحيلًا، إذ يُحرم الإنسان من لحظة الوداع الأخيرة التي تسمح بإغلاق علاقة الفقد
وبناء تاريخ جديد مع الغائب. فيبقى المفقود عالقًا على الحدود الفاصلة بين الحياة
والموت، حاضرًا في الغياب وغائبًا في الحضور، مما يبقي الأسرة في حالة انتظار دائم
تمنع اكتمال الحداد.
ومن النقاط المهمة في الكتاب، يؤكد
الدكتور حب الله أنه في حالات الصدمة لا يكون المريض قادرًا على الانخراط مباشرة
في قاعدة التداعي الحر أو تحمل حياديّة المحلل وصمته لأنه لا يمتلك بعد المسافة
النفسية اللازمة لمواجهة تاريخه الشخصي. كما أن الوضعيّة السلبية على الأريكة قد
تضعه أمام فيض من الصور والهوامات العنيفة التي يعجز عن تنظيمها أو احتوائها. لذلك
يصبح دور المحلل في هذه الحالات هو المساعدة أولًا على بناء إطار نفسي آمن يسمح
بإعادة تشكيل التجربة الصادمة قبل الانتقال إلى العمل التحليلي العميق.
في الختام، إن العنف ليس أزمة طارئة
تنتهي بصمت المدافع، إنه انكسارٌ بنيوي يتسلّل إلى أعماق النفس ويستمرّ في تشكيل
علاقاتنا بالآخر وبالجسد. ولا يمكن للترميم أن يتحقق بالاكتفاء بالتسويات السياسية
وتحويل المآسي إلى مجرّد صمت جماعي، لكن يجب الفهم العميق لـ «جرثومة العنف»
الكامنة في الذات الإنسانية وإعادة بناء النظام الرمزي المنهار. هنا بالتحديد تجد
الكلمة قيمتها، إذ تُمسي السلاح الوحيد القادر على معالجة الآثار غير المرئيّة
للحرب، لتبدأ رحلة استعادة الكيان الإنساني من التفكك، وإعادة الاعتبار للآخر
بوصفه شريكًا في الوجود لا موضوعًا للإلغاء والقتل.
هنادي جابر 26-7-2026
Hanadi Jaber Shehayeb